عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

73

اللباب في علوم الكتاب

فصل في حرمة جماع الحائض اتّفق المسلمون على حرمة الجماع في زمن الحيض ، واختلفوا في وجوب الكفّارة « 1 » على من جامع فيه ، فذهب أكثرهم إلى أنّه لا كفّارة عليه فليستغر اللّه ويتوب ، وذهب قوم إلى وجوب الكفّارة عليه ؛ منهم : قتادة والأوزاعي ، وأحمد ، وإسحاق ، لما روى ابن عبّاس أن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال في رجل جامع امرأته وهي حائض « إن كان الدّم عبيطا ؛ فليتصدّق بدينار ، وإن كان صفرة ، فنصف دينار » « 2 » وروي موقوفا على ابن عبّاس « 3 » . واتّفقوا على أنّ جلّ الاستمتاع فيما فوق السّرّة ، ودون الرّكبة [ واختلفوا بأنّه هل يجوز الاستمتاع بها فيما دون السّرة ، وفوق الرّكبة ؟ ] « 4 » قال ابن الخطيب « 5 » : إن فسّرنا المحيض بموضع الحيض ، كانت الآية دالّة على تحريم الجماع فقط ، فلا يكون فيها دلالة على تحريم غيره ، بل نقول : إنّ تخصيص الشّيء بالذّكر يدلّ على أنّ الحكم فيما عداه بخلافه ، وإن فسّرنا المحيض بالمحيض ، كان تقدير الآية فاعتزلوا النّساء في زمان المحيض ، وترك العمل بها فيما فوق السّرّة ودون الرّكبة ؛ فوجب أن يبقى الباقي على الحرمة . قوله : « وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ » ، أي : لا تجامعوهنّ . قال ابن العربيّ : سمعت الشّاشيّ « 6 » يقول : إذا قيل « لا تقرب » - بفتح الرّاء - كان معناه : لا تتلبّس بالفعل ، وإذا كان بضمّ الرّاء كان معناه : لا تدن منه ، وهذا كالتأكيد لقوله تعالى : « فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ » فهذا نهي عن المباشرة في موضع الدّم ، وقوله :

--> ( 1 ) الكفارات جمع مفرده كفارة ، وهي في الأصل صفة مبالغة ؛ كعلامة ، ثم غلب استعمالها اسما فيما يستر الذنب ويمحوه ، وهذه المادّة في اللغة تنبئ عن الستر ؛ لأنها مأخوذة من الكفر « بفتح الكاف » ومعناه : الستر ومنه سمي الليل كافرا ؛ لأنه يستر الشيء بظلمته قال الشاعر : « في ليلة كفر النجوم غمامها » . وسمي الزارع كافرا ؛ لأنه يستر البذر بالتراب ، وسميت الأشياء المصطلح عليها في الشريعة « كفارات » لأنها تستر الذنب وتمحو أثره . تعريفها شرعا : وهي في اصطلاح الفقهاء : اسم لأشياء مخصوصة طلبها الشارع عند ارتكاب مخالفات معينة . وقد عرفها الرحماني من الشافعية فقال : هي مال أو صوم وجب بسبب . ( 2 ) أخرجه أبو داود ( 264 ) والنسائي ( 1 / 55 ، 66 - 67 ) وابن ماجة ( 640 ) والدارمي ( 1 / 254 ) وابن الجارود ( 58 ) والحاكم ( 1 / 171 - 172 ) والبيهقي ( 1 / 314 ) وأحمد ( 1 / 230 ، 237 ، 272 ، 286 ، 312 ، 325 ) . قال أبو داود : هكذا الرواية الصحيحة دينار أو نصف دينار . ( 3 ) ينظر : تفسير البغوي 1 / 197 . ( 4 ) سقط في ب . ( 5 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 6 / 58 . ( 6 ) ينظر : تفسير القرطبي 3 / 59 .